الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
236
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
به المرض الذي توفاّه فيه ، فلم يدع النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أحدا من أفناء العرب ، ولا من الأوس والخزرج وغيرهم من ساير الناس ممّن يخاف علي نقضه ومنازعته ، ولا أحدا ممّن يراني بعين البغضاء ممّن قد وترته بقتل أبيه أو أخيه أو حميمه ، إلّا وجهّه في ذلك الجيش ، لتصفوا قلوب من يبقى معي ، ولئلّا يقول قائل شيئا ممّا أكرهه ، ولا يدفعني دافع من الولاية ، والقيام بأمر رعيتّه من بعده ، ثمّ كان آخر ما تكلّم به في شيء من أمر أمتّه أن يمضي جيش اسامة ، ولا يتخلّف عنه أحد ممّن أنهض معه ، وتقدّم في ذلك أشدّ التقدّم ، وأو عز فيه أبلغ الايعاز ، وأكّد فيه أكثر التأكيد ، فلم أشعر بعد أن قبض النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم إلّا برجال من بعث أسامة وأهل عسكره قد تركوا مراكزهم ، وأخلوا مواضعهم ، وخالفوا أمر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم في ما أنهضهم له وأمرهم به ، وتقدّم إليه من ملازمة أميرهم ، والسير معه تحت لوائه حتّى ينفذ لوجهه الذي أنفذه إليه ، فخلّفوا أميرهم مقيما في عسكره ، وأقبلوا يتبادرون على الخيل ركضا إلى حلّ عقدة عقدها اللّه عزّ وجلّ لي ولرسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم في أعناقهم فحلّوها ، ونبذ عهد عاهدوا اللّه ورسوله عليه فنكثوه ، وعقدوا لأنفسهم عقدا ضجّت به أصواتهم ، واختصّت به آراؤهم ، من غير مناظرة لأحد منّا بني عبد المطّلب ، أو مشاركة في رأي ، أو استقالة لما في أعناقهم من بيعتي . فعلوا ذلك وأنا بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم مشغول ، وبتجهيزه عن سائر الأشياء مصدود ، فإنهّ كان أهمّها وأحقّ ما بدئ به منها ، فكان هذا - يا أخا اليهود - أقرح ما ورد على قلبي من الذي أنا فيه من عظيم الرزّية ، وفاجع المصيبة ، وفقد من لا خلف منه إلّا اللّه تعالى ، فصبرت عليها إذ أتت بعد أختها ، على تقاربها وسرعة اتّصالها . ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال : أليس كذلك قالوا : بلى . فقال عليه السلام : وأما الثالثة يا أخا اليهود : فإنّ القائم بعد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم كان